ابن الأثير

445

الكامل في التاريخ

ذكر قتل كمشتكين وحصر الفرنج حارم في هذه السنة قبض الملك الصالح بن نور الدين على سعد الدين كمشتكين ، وكان المتولّي لأمر دولته والحاكم فيها ، وسبب قبضه أنّه كان بحلب إنسان من أعيان أهلها ، يقال له أبو صالح بن العجميّ ، وكان مقدّما عند نور الدين محمود ، فلمّا مات نور الدين تقدّم أيضا في دولة ولده الملك الصالح ، وصار بمنزلة الوزير الكبير المتمكّن لكثرة أتباعه بحلب ولأنّ كلّ من كان يحسد كمشتكين انضمّ إلى صالح ، وقوّوا جنانه ، وكثّروا سواده ، وكان عنده إقدام وجرأة فصار واحد الدولة بحلب ، ومن يصدر الجماعة عن رأيه وأمره . فبينما هو في بعض الأيّام في الجامع وثب به الباطنيّة فقتلوه ومضى شهيدا ، وتمكّن بعده سعد الدين وقوي حاله ، فلمّا قتل أحال الجماعة قتله على سعد الدين ، وقالوا : هو وضع الباطنيّة عليه حتى قتلوه ، وذكروا ذلك للملك الصالح ، ونسبوه إلى العجز ، وأنّه ليس له حكم ، وأنّ سعد الدين قد تحكّم عليه واحتقره واستصغره ، وقتل وزيره ، ولم يزالوا به حتى قبض عليه . وكانت قلعة حارم لسعد الدين قد أقطعه إيّاها الملك الصالح ، فامتنع من بها بعد قبضه ، وتحصّنوا فيها ، فسيّر سعد الدين إليها تحت الاستظهار ليأمر أصحابه بتسليمها إلى الملك الصالح ، فأمرهم بذلك ، فامتنعوا ، فعذّب كمشتكين وأصحابه يرونه ولا يرحمونه ، فمات في العذاب ، وأصرّ أصحابه على الامتناع والعصيان . فلمّا رأى الفرنج ذلك ساروا إلى حارم من حماة في جمادى الأولى ، على ما نذكره ، ظنّا منهم أنّهم لا ناصر لهم ، وأنّ الملك الصالح صبيّ قليل العسكر ،